أكد الدكتور شادي الزيات، خبير التطوير العقاري وأستاذ التسويق، أن صناعة التطوير العقاري في مصر تمر بمرحلة تتغير فيها معايير المنافسة بصورة واضحة، فلم يعد نجاح شركة التطوير يقاس فقط بحجم مبيعاتها أو قدرتها على إطلاق مشروعات جديدة، وإنما أصبح مرتبطًا بصورة أكبر بقدرتها على بناء تجربة متكاملة للعميل تبدأ من أول نقطة تواصل ولا تنتهي عند توقيع العقد، بل تمتد إلى مراحل ما بعد البيع والتسليم وإدارة العلاقة مع العميل على المدى الطويل.
وقال الزيات إن السوق العقاري المصري خلال السنوات الخمس الأخيرة شهد توسعًا كبيرًا في حجم المنافسة وعدد الشركات والمشروعات والمنتجات المطروحة، وهو ما جعل العميل أمام اختيارات أكثر بكثير مما كان عليه سابقًا، بالتزامن مع ارتفاع الأسعار وتغير أنماط الشراء وزيادة حساسية العميل تجاه القيمة التي يحصل عليها مقابل ما يدفعه، وبالتالي لم يعد من السهل الاحتفاظ بالعميل بمجرد تقديم عرض بيعي أو خطة سداد جذابة، لأن القرار العقاري أصبح أكثر تعقيدًا، والعميل أصبح يقارن بين المطور والمشروع والسعر والتشغيل والتسليم وخدمات ما بعد البيع وتجربة الملاك السابقين.
وأوضح أن أحد أهم التحولات التي يجب أن تدركها شركات التطوير العقاري حاليًا هو أن كل نقطة تواصل مع العميل أصبحت جزءًا من المنتج العقاري نفسه؛ فطريقة استقبال العميل، وسرعة الرد على استفساراته، ودقة المعلومات التي يحصل عليها، ووضوح التعاقد، والتعامل مع اعتراضاته، ثم التواصل معه بعد البيع وأثناء التنفيذ وحتى التسليم، جميعها عناصر تؤثر في الصورة التي تتكون لديه عن المطور، وبالتالي تؤثر بصورة مباشرة في احتمالات إعادة الشراء أو التوصية بالشركة للآخرين.
وأضاف الزيات أن السنوات الماضية كشفت بوضوح أن المبيعات المرتفعة لا تعني بالضرورة بناء قاعدة عملاء قوية، خصوصًا في ظل التحولات التي شهدها السوق منذ 2021 وحتى 2026، والتي تضمنت ارتفاعات متتالية في الأسعار وتغيرات في تكلفة البناء وأسعار الأراضي ونظم السداد، إلى جانب دخول شرائح جديدة من العملاء والمستثمرين إلى السوق. وقد انعكس ذلك على طبيعة المنافسة بين الشركات، حيث أصبح الحفاظ على ثقة العميل تحديًا لا يقل أهمية عن الوصول إليه للمرة الأولى.
وأشار إلى أن بيانات السوق خلال الفترة الأخيرة تؤكد ضرورة إعادة النظر في مفهوم النجاح داخل شركات التطوير العقاري؛ فخلال النصف الأول من 2026 حقق أكبر 10 مطورين مبيعات تعاقدية بلغت نحو 670 مليار جنيه، بزيادة اسمية قدرها 2.9% عن الفترة نفسها من 2025، في الوقت الذي تراجع فيه عدد الوحدات المباعة بنحو 5% إلى قرابة 39 ألف وحدة، وهو ما يعكس سوقًا أصبحت فيه قيمة المبيعات مدفوعة بدرجة كبيرة بارتفاع الأسعار، بالتزامن مع زيادة انتقائية العملاء والضغط على القدرة الشرائية. (
وتابع: «في مثل هذا السوق، لا تستطيع شركات التطوير العقاري أن تتعامل مع العميل باعتباره مجرد Lead يتحول إلى Reservation ثم Contract، لأن العلاقة الحقيقية مع العميل تبدأ فعليًا من اللحظة التي يقرر فيها الوثوق في الشركة، وكل تجربة يمر بها بعد ذلك إما أن تعزز هذه الثقة أو تهدمها».
ولفت الزيات إلى أن أحد الأخطاء التي تحتاج شركات التطوير إلى مراجعتها هو الفصل بين إدارات التسويق والمبيعات وخدمة العملاء وما بعد البيع، مؤكدًا أن العميل لا يرى هذه الإدارات باعتبارها كيانات منفصلة؛ هو يرى «الشركة» ككيان واحد، وبالتالي فإن أي فجوة بين الوعد التسويقي وما يقدمه رجل المبيعات، أو بين ما تم الاتفاق عليه أثناء البيع وما يحدث بعد التعاقد، تتحول في النهاية إلى مشكلة في تجربة العميل وفي صورة العلامة التجارية للمطور.
وأكد أن تجربة العميل في القطاع العقاري تختلف عن قطاعات أخرى، لأن العميل لا يشتري منتجًا استهلاكيًا يمكن استبداله بسهولة، وإنما يدخل في التزام مالي طويل الأجل، وقد يستمر تعامله مع الشركة لسنوات، ولذلك فإن أي نقطة احتكاك سلبية يمكن أن يكون تأثيرها أكبر بكثير من تأثيرها في المنتجات والخدمات قصيرة الأجل.
وأوضح أن المنافسة خلال المرحلة المقبلة ستفرض على المطورين إعادة تعريف مفهوم «خدمة العملاء»، بحيث لا تقتصر على الرد على الشكاوى أو متابعة طلبات الصيانة، وإنما تتحول إلى منظومة متكاملة لإدارة رحلة العميل، تبدأ من مرحلة اكتشاف المشروع والمقارنة، مرورًا بالبيع والتعاقد، ثم المتابعة أثناء التنفيذ، وصولًا إلى الاستلام والتشغيل وإدارة المجتمع السكني.
وأشار إلى أن قيمة المشروع العقاري لا تتوقف عند تصميم الوحدة أو موقعها أو سعرها، وإنما تتشكل أيضًا من التجربة التي يعيشها المالك داخل المشروع، وهو ما يجعل جودة التشغيل والصيانة وسرعة الاستجابة للمشكلات واستمرارية الخدمات عناصر مؤثرة في الحفاظ على قيمة الأصل العقاري وعلى سمعة المطور في السوق. وتؤكد مناقشات القطاع خلال 2026 بصورة متزايدة أن القيمة الحقيقية للمشروع تظهر بصورة أكبر بعد التسليم، وأن استمرار المطور في إدارة ومتابعة المشروع يمكن أن يدعم ثقة العملاء ويحافظ على قيمة الأصول.
وشدد الزيات على أن العميل الراضي لا يمثل فقط عملية بيع ناجحة، وإنما يمثل أصلًا تسويقيًا للشركة يمكن أن ينتج عنه إعادة شراء أو ترشيحات أو علاقات جديدة، في حين أن العميل الذي يخرج من التجربة بانطباع سلبي يمكن أن يتحول إلى مصدر مستمر لتكلفة السمعة، خصوصًا في عصر أصبحت فيه تجارب العملاء وآراؤهم أكثر قدرة على الانتشار والتأثير في قرارات المشترين.
وأكد أن شركات التطوير العقاري التي ستنجح في المرحلة المقبلة هي التي ستنتقل من التفكير في «كيف نبيع الوحدة؟» إلى التفكير في «كيف نبني علاقة طويلة الأجل مع مالك الوحدة؟»، لأن الفارق بين السؤالين يعكس تحولًا كاملًا في فلسفة الإدارة والتسويق والمبيعات.
واختتم الدكتور شادي الزيات بالتأكيد على أن المنافسة العقارية خلال السنوات المقبلة لن تكون فقط على الأرض أو التصميم أو السعر أو أنظمة السداد، وإنما ستكون أيضًا على جودة التجربة التي يحصل عليها العميل طوال رحلته مع المطور، موضحًا أن كل تفاعل مع العميل يترك أثرًا، وأن السؤال الذي يجب أن تطرحه كل شركة تطوير على نفسها اليوم ليس فقط «هل نجحنا في البيع؟»، وإنما «هل كانت التجربة التي قدمناها سببًا يجعل العميل يعود إلينا مرة أخرى؟».







