أكد محمد طلعت أن التغيرات المناخية وارتفاع معدلات استهلاك الطاقة يفرضان على قطاع العمارة والتطوير العمراني في المنطقة العربية إعادة النظر في فلسفة تصميم المباني والمدن، موضحًا أن العمارة الحديثة لم تعد تعتمد فقط على الاعتبارات الجمالية أو الاستثمارية، بل أصبحت مطالبة بتحقيق كفاءة بيئية وتشغيلية قادرة على التفاعل مع طبيعة المناخ المحلي وتقليل الفاقد الحراري واستهلاك الطاقة.
وقال طلعت إن جزءًا كبيرًا من المشروعات التي تم تنفيذها خلال العقود الماضية في عدد من الدول العربية اعتمد على نماذج تصميمية مستوردة لا تتوافق بصورة كاملة مع الخصائص المناخية للمنطقة، وهو ما أدى إلى ارتفاع الاعتماد على أنظمة التبريد الصناعي بصورة مبالغ فيها، مؤكدًا أن العمارة المناخية أصبحت اليوم أحد أهم الاتجاهات العالمية في التصميم، نظرًا لقدرتها على تحسين كفاءة المباني وتقليل تكاليف التشغيل على المدى الطويل.
وأضاف أن مفهوم العمارة المناخية لا يرتبط بإضافة عناصر تجميلية مرتبطة بالاستدامة، وإنما يقوم على دراسة دقيقة لحركة الشمس والرياح والرطوبة وطبيعة الموقع واتجاهات الكتل المعمارية، بحيث يصبح المبنى نفسه جزءًا من منظومة تقليل استهلاك الطاقة، مشيرًا إلى أن المعالجة الصحيحة للواجهات ونسب الفتحات ومواد العزل وتوزيع الفراغات الداخلية يمكن أن تُحدث فارقًا كبيرًا في كفاءة المبنى الحرارية.
وأوضح طلعت أن العديد من المدن الحديثة تواجه حاليًا تحديات مرتبطة بما يُعرف بـ”الجزر الحرارية العمرانية”، نتيجة التوسع الكثيف في الكتل الخرسانية والزجاجية دون مراعاة كافية للمعالجات البيئية، لافتًا إلى أن بعض المشروعات أصبحت تستهلك كميات مرتفعة من الطاقة للحفاظ على درجات حرارة مناسبة داخل المباني بسبب غياب الحلول المعمارية المناخية منذ مراحل التصميم الأولى.
وأشار إلى أن العمارة العربية تاريخيًا امتلكت نماذج شديدة الذكاء في التعامل مع المناخ، سواء من خلال الأفنية الداخلية أو أنظمة التهوية الطبيعية أو المعالجات الخاصة بالظل وحركة الهواء، إلا أن جزءًا كبيرًا من تلك الحلول تراجع مع الاتجاه إلى استنساخ أنماط عمرانية عالمية قد لا تتناسب مع طبيعة البيئة المحلية، مؤكدًا أن التحدي الحالي يتمثل في تطوير هذه المفاهيم بصورة معاصرة تتماشى مع التكنولوجيا الحديثة ومتطلبات المدن الجديدة.
وأضاف طلعت أن التحول نحو العمارة المناخية لم يعد خيارًا مرتبطًا فقط بالاستدامة البيئية، بل أصبح ضرورة اقتصادية أيضًا، خاصة مع ارتفاع تكاليف التشغيل والطاقة، موضحًا أن المباني الأعلى كفاءة في استهلاك الطاقة أصبحت أكثر قدرة على الحفاظ على قيمتها التشغيلية والاستثمارية، وهو ما دفع العديد من الأسواق العالمية إلى إعادة تقييم معايير جودة المشروعات وفق كفاءتها البيئية وليس فقط مواصفاتها الإنشائية أو البصرية.
وفيما يتعلق بالسوق المصري، أكد طلعت أن مصر تمتلك مقومات قوية لتطبيق مفاهيم العمارة المناخية بصورة أكثر توسعًا خلال المرحلة المقبلة، خاصة مع التوسع الكبير في المدن الجديدة والمشروعات متعددة الاستخدام، موضحًا أن طبيعة المناخ المصري تمنح المعماري فرصًا واسعة لتوظيف التهوية الطبيعية والإضاءة المدروسة ومعالجات الظل داخل المشروعات بصورة تقلل من الاعتماد المفرط على الطاقة.
وأشار إلى أن تطبيق هذا التوجه داخل العمارة المصرية يتطلب تعزيز التكامل بين التصميم المعماري والتخطيط البيئي منذ المراحل الأولى للمشروع، إلى جانب تحديث بعض المعايير الفنية المرتبطة بنسبة الزجاج في الواجهات، وكفاءة العزل الحراري، ودراسة اتجاهات الكتل المعمارية، بما يحقق توازنًا أفضل بين الشكل المعماري وكفاءة الأداء البيئي للمبنى.
واختتم طلعت تصريحه بالتأكيد على أن التحول نحو العمارة المناخية في مصر يحتاج إلى خطوات تنفيذية واضحة، تشمل التوسع في استخدام مواد البناء ذات الكفاءة الحرارية المرتفعة، وإدراج معايير استهلاك الطاقة ضمن تقييم واعتماد المشروعات الجديدة، بالإضافة إلى تشجيع المطورين على تبني حلول تصميمية تقلل الأحمال التشغيلية للمباني منذ البداية بدلًا من الاعتماد الكامل على المعالجات الميكانيكية بعد التنفيذ. كما شدد على أهمية زيادة التعاون بين المعماريين والاستشاريين البيئيين ومهندسي الطاقة للوصول إلى نموذج عمراني أكثر كفاءة واستدامة يتناسب مع طبيعة المناخ المصري ومتطلبات التنمية المستقبلية.








