في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في عدد من مناطق العالم، بدأت انعكاسات هذه الاضطرابات تتسلل تدريجيًا إلى القطاعات الاقتصادية المختلفة، وعلى رأسها قطاع التطوير العقاري الذي يُعد من أكثر القطاعات ارتباطًا بسلاسل الإمداد العالمية وأسواق الطاقة والمواد الخام. وفي هذا السياق، أكد الدكتور محمد راشد، الخبير العقاري وعضو المجلس التنفيذي بالمجلس المصري للبناء الأخضر والمدن المستدامة، أن التغيرات الجيوسياسية التي يشهدها العالم في الوقت الراهن لم تعد مجرد أحداث سياسية أو عسكرية معزولة، بل تحولت إلى عامل اقتصادي مؤثر بشكل مباشر في تكلفة تنفيذ المشروعات العقارية واستدامة خطط التطوير في العديد من الأسواق الناشئة، ومنها السوق المصري.
وأوضح راشد أن القطاع العقاري بطبيعته يعتمد على منظومة اقتصادية واسعة تشمل صناعات الحديد والأسمنت والطاقة والنقل والخدمات اللوجستية، وهي قطاعات شديدة الحساسية لأي اضطرابات في حركة التجارة العالمية أو أسعار الطاقة. ومع تصاعد التوترات في منطقة الشرق الأوسط واضطراب الملاحة في البحر الأحمر خلال الأشهر الأخيرة، شهدت حركة الشحن العالمية تغيرات ملحوظة، حيث اضطرت العديد من شركات النقل البحري إلى تغيير مساراتها نحو طريق رأس الرجاء الصالح، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع كبير في تكاليف الشحن والتأمين البحري، وانعكس بدوره على أسعار المواد الخام ومدخلات الإنتاج المرتبطة بقطاع البناء.
وأشار إلى أن هذه التطورات تسببت في خسائر اقتصادية ملحوظة لبعض الممرات التجارية الحيوية، إذ تراجعت إيرادات قناة السويس بشكل ملحوظ خلال فترات اضطراب الملاحة، وهو ما يعكس حجم التأثير غير المباشر للأزمات الجيوسياسية على الاقتصاد المصري وسلاسل الإمداد المرتبطة بالصناعة العقارية.
وأضاف راشد أن أسعار مواد البناء في مصر شهدت خلال العامين الماضيين موجات من التقلبات الحادة نتيجة هذه المتغيرات، حيث تراوح متوسط سعر طن الحديد في السوق المحلي خلال عام 2025 بين نحو 36 و39 ألف جنيه للطن، وفق بيانات الأسواق المحلية. وأوضح أن هذه التقلبات لا ترتبط فقط بعوامل العرض والطلب داخل السوق المصرية، وإنما تتأثر كذلك بمتغيرات عالمية مثل أسعار الطاقة وتكاليف النقل وتقلبات أسعار العملات، وهي عوامل ترتبط ارتباطًا وثيقًا بحالة الاستقرار الجيوسياسي في العالم.
وأكد أن أحد المفاهيم التي تحتاج إلى إعادة النظر في السوق العقارية هو الاعتقاد بأن العقار قطاع محلي بحت، موضحًا أن الواقع الاقتصادي يشير إلى أن التطوير العقاري بات جزءًا من منظومة اقتصادية عالمية متشابكة. فصناعة مواد البناء في مصر على سبيل المثال تشهد نشاطًا تصديريًا متزايدًا، حيث تجاوزت صادرات الحديد والأسمنت المصرية حاجز 3 مليارات دولار خلال عام 2024، ما يعكس اندماج هذه الصناعة في حركة التجارة العالمية وتأثرها بالتقلبات الدولية.
وعلى الصعيد القانوني، أوضح راشد أن التغيرات الجيوسياسية لا يمكن اعتبارها في جميع الحالات قوة قاهرة بالمعنى القانوني المباشر في العقود العقارية. فالقوة القاهرة وفقًا للقانون المدني المصري تشترط أن يكون الحدث غير متوقع وغير قابل للدفع ويجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً. أما في معظم الحالات الحالية فإن الأزمات الجيوسياسية لا تمنع تنفيذ المشروعات العقارية بشكل كامل، لكنها قد تجعل تنفيذها أكثر تكلفة أو أكثر تعقيدًا من الناحية الاقتصادية.
ولذلك فإن التكييف القانوني الأقرب لهذه الحالات هو ما يُعرف بنظرية الظروف الطارئة، والتي تسمح بإعادة التوازن الاقتصادي للعقود في حال حدوث تغيرات استثنائية غير متوقعة تؤدي إلى إرهاق أحد أطراف العقد دون أن تجعل التنفيذ مستحيلاً بشكل كامل. وفي مثل هذه الحالات يمكن أن يتم تعديل بعض الالتزامات أو إعادة جدولة مدد التنفيذ بما يحافظ على التوازن بين أطراف التعاقد.
وأشار راشد إلى أن الأزمات الجيوسياسية تؤثر على المطورين العقاريين عبر عدة مسارات رئيسية، من بينها ارتفاع تكلفة التنفيذ نتيجة زيادة أسعار الطاقة والنقل والمواد الخام، إلى جانب تأخر وصول بعض المكونات المستوردة مثل المصاعد وأنظمة التكييف والواجهات الزجاجية وأنظمة التكنولوجيا الذكية المستخدمة في المباني الحديثة. كما أن تقلبات سعر الصرف الناتجة عن الأزمات الدولية تضيف ضغوطًا إضافية على تكلفة الاستيراد، في الوقت الذي ترتفع فيه تكلفة التمويل نتيجة اتجاه العديد من البنوك المركزية عالميًا إلى تشديد السياسات النقدية في فترات عدم الاستقرار.
وأكد أن هذه المتغيرات تفرض على شركات التطوير العقاري تبني نهج أكثر احترافية في إدارة المخاطر، مشيرًا إلى أن أدوات مثل التحوط المالي ضد تقلبات العملة، وتنويع مصادر التوريد، وإنشاء إدارات متخصصة لإدارة المخاطر الاقتصادية والجيوسياسية، أصبحت من الضرورات الأساسية لضمان استمرارية المشروعات العقارية في بيئة اقتصادية عالمية شديدة التقلب.
واختتم راشد تصريحاته بالتأكيد على أن القطاع العقاري يظل أحد الأصول الاقتصادية القادرة تاريخيًا على الصمود أمام الأزمات، إلا أن طبيعة الاقتصاد العالمي اليوم تفرض على المطورين العقاريين الانتقال من نماذج الإدارة التقليدية إلى نماذج أكثر مرونة تعتمد على التخطيط الاستراتيجي وإدارة الأزمات والتحوط المالي، لضمان استدامة المشروعات والحفاظ على استقرار السوق العقارية في مواجهة التغيرات العالمية المتسارعة.








